كتب: عبدالله بن لحمر | راصد برس 24
لم تكن حضرموت يوماً مجرد جغرافيا عابرة في حسابات السلطة المركزية، بل كانت دائماً الغنيمة الكبرى التي سعى نظام "عفاش" ومن تلاه إلى إخضاعها وسلب قرارها المستقل. واليوم، يعاد إنتاج السيناريو ذاته بأدوات حديثة ومسميات براقة، تنذر بتحويل المكونات السياسية الحضرمية إلى مجرد أحجار على رقعة شطرنج تديرها السلطة المحلية لصالح أجندات خارجية ونافذين شماليين.
لقد شكلت "مصلحة شؤون القبائل" منذ تأسيسها في عهد نظام صالح السابق إحدى أسوأ أدوات الاختراق الاجتماعي؛ حيث جرى تحويل عدد غير قليل من مشايخ القبائل والشخصيات الاجتماعية من رموز للسيادة والمروءة إلى مجرد أدوات لتمرير السياسات وتلقي التوجيهات، والتبعية المطلقة لرموز النظام الحاكم. لقد سُحبت إرادة القبيلة، وحُوِّل دورها التاريخي في حماية الأرض والإنسان إلى وكر للعمل الصوري الجاسوسي لصالح أجهزة السلطة.
واليوم، يتكرر المشهد بصورة أشد خطورة تحت يافطة ما يُسمى بـ "المجلس التنسيقي". إن هذا الكيان الجديد ليس إلا إعادة هيكلة لأدوات التبعية، وتهدف هندسته في جوهرها إلى سلب المكونات الحضرمية السياسية استقلاليتها، وجعلها تحت وصاية المحافظ والسلطة المحلية مباشرة.
إن الهدف الحقيقي وراء هذه التحركات واضح وجلي: إدخال القوى الحضرمية الحية في "بيت الطاعة"، وإخضاع صوت الشارع، وربط القرار الحضرمي برئاسة العليمي والنافذين الشماليين الذين ما زالوا يرون في حضرموت مجرد "ملحق" إداري وثروة مستباحة.
إن الحضرمي الحر، المتجرد من مصالحه الضيقة، يدرك تماماً أن قبول هذه الوصاية هو خيانة تامة لتضحيات أبناء المحافظة وتفريط في حقوقهم التاريخية. إن حضرموت الكرامة والاستقلال والقرار الحر لن تكون شريكاً في هذا الفخ، ولن يقبل أي إنسان شريف أن تُباع الإرادة الحضرمية في سوق النفوذ السياسي مقابل رتب ومناصب وهمية.
إن التاريخ لا يرحم من يرتضي لنفسه دور التابع، وحضرموت اليوم – بأبنائها وأحرارها – أقوى من أن تُستغفل، وأوعى من أن تُساق مجدداً إلى حظيرة التبعية والعمالة.
.jpg)