افتتاحية راصد برس 24 | كتب : رئيس التحرير
في عالم السياسة، لا تُقاس التحالفات بعدد الاتفاقيات التي تُوقَّع، ولا بعدد صور المصافحة التي تُلتقط خلف طاولات الاجتماعات، وإنما تُقاس بقيمتها عندما تأتي لحظة الاختبار.
وهنا تحديداً تبرز علامات الاستفهام حول سلسلة من الاتفاقيات الدفاعية التي أُبرمت في المنطقة، خصوصاً بعدما أثبتت التطورات الأخيرة أن توقيع الاتفاقية شيء، وتحويلها إلى التزام عسكري فعلي شيء آخر تماماً.
قطر، التي تربطها بتركيا شراكة دفاعية وأمنية وثيقة، تعرضت خلال التصعيد الإقليمي لاعتداءات من إسرائيل وإيران. وفي الحالتين، لم تتحول العلاقة الدفاعية التركية–القطرية إلى رد عسكري تركي مباشر على الدولة التي شنت الهجوم، وبقي الموقف التركي في إطار الإدانة والمواقف السياسية والدبلوماسية.
وهنا لا بد من طرح السؤال بوضوح:
إذا كانت الاتفاقيات الدفاعية تعني أن أمن الحليف جزء من أمنك، فأين ينتهي التضامن السياسي ويبدأ الدفاع المشترك؟
والسؤال ذاته ينطبق على الاتفاق الدفاعي السعودي–الباكستاني، الذي سبق أن وُقّع لتعزيز التعاون الدفاعي بين البلدين. فعندما تعرضت السعودية لهجمات إيرانية وهجمات من جماعة الحوثيين، برزت مواقف وإدانات سياسية، لكن لم نشهد تحول الاتفاق إلى تدخل عسكري باكستاني معلن ضد الجهات المهاجمة.
وهذا تحديداً ما يجعل اتفاق مكة الجديد، الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس 2026، أمام اختبار أكبر من أي اتفاق سابق. فقد نص الاتفاق على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، مع تعزيز التعاون الدفاعي والردع المشترك.
لكن السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة ليس ما كُتب في الاتفاقية، وإنما:
هل سيكون هذا الدفاع المشترك مختلفاً هذه المرة؟
هل ستتحول اتفاقية مكة إلى تحالف دفاع حقيقي يمتلك آليات واضحة للردع والاستجابة، أم ستنتهي هي الأخرى إلى بيانات تضامن واجتماعات سياسية، كما حدث في تجارب سابقة؟
فالمشكلة ليست في توقيع اتفاقية جديدة، بل في المصداقية التي ستمنحها هذه الاتفاقية لنفسها.
إذا تعرضت السعودية أو تركيا أو باكستان لاعتداء مستقبلاً، فهل سيتعامل الطرفان الآخران معه باعتباره اعتداءً عليهما بالفعل؟ أم سيبدأ كل طرف في حساب تكلفة المواجهة، ثم يكتفي بالإدانة والمواقف الدبلوماسية؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
ولا يتعلق الأمر بالمطالبة بإشعال الحروب أو الدخول في مواجهات عسكرية بلا حساب، وإنما يتعلق بمفهوم الردع؛ فالتحالف الذي لا يعرف الخصم حدود التزام أعضائه تجاه بعضهم البعض، قد يفقد جزءاً كبيراً من قيمته الردعية.
التحالفات تُختبر تحت النار، لا تحت أضواء المؤتمرات.
واتفاق مكة أمام فرصة لإثبات أن المنطقة دخلت فعلاً مرحلة جديدة من التعاون الدفاعي، لا مجرد مرحلة جديدة من توقيع الاتفاقيات.
فإذا كان الاعتداء على أحد الأطراف اعتداءً على الجميع كما ينص الاتفاق، فإن الاختبار الحقيقي سيأتي عندما يتعرض أحدهم للخطر.
عندها فقط ستعرف شعوب المنطقة هل أمامها تحالف دفاع مشترك حقيقي، أم اتفاقية أخرى ستبقى حروفها قوية على الورق، بينما يظل كل طرف وحيداً عندما تبدأ الصواريخ في السقوط.
في السياسة، الاتفاقية تُعلن النية.. أما الموقف عند الاختبار فهو الذي يثبت الحقيقة.
وهنا تحديداً يبدأ الامتحان الحقيقي لتحالف مكة.
