كتب: رئيس التحرير | راصد برس 24
في المشهد السياسي المعقد لليمن، تتداخل الأدوار وتتشابك خيوط اللعبة الإقليمية إلى حد يثير الكثير من علامات الاستفهام والتعجب. ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً وحضوراً اليوم في الشارع اليمني والعربي هو: كيف لدولة تُسهّل تهريب السلاح إلى مليشيات الحوثي أن تقدم نفسها كراعية للسلام ومشرفة على مبادرات الحل؟
إن الحديث عن رغبة سلطنة عُمان في تحقيق أمن واستقرار اليمن يصطدم صراحةً بالواقع على الأرض. فلو كانت مسقط تبحث بحق عن استقرار جارتها، لكانت الخطوة الأولى والمنطقية هي التوقف الفوري عن توفير غطاء لتهريب الأسلحة والصواريخ والطائرات المسيرة التي تفتك باليمنيين وتستهدف دول الجوار، ولكانت كفت عن استضافة وتدليل قيادات المليشيا الحوثية في الفنادق والمنصات العُمانية، ومنحهم منبراً سياسياً ودبلوماسياً لشرعنة انقلابهم.
علامات استفهام حول الموقف السعودي
من هنا، تبرز علامة استفهام كبرى حول الموقف السعودي: كيف للرياض أن تضع ثقتها في دور عُماني تحوم حوله كل هذه الشبهات؟
إن الأسلحة والصواريخ التي دكّت المدن السعودية وهددت أمنها القومي عبر سنوات الحرب، مرت بأجزاء ومكونات حيوية منها عبر مسارات وطرق رُصدت مراراً وتكراراً، وكان لزاماً على مسقط تجفيف منبعها بدلاً من غض الطرف عنها.
ولعل الشاهد الأبرز على التماهي العُماني مع الأجندة الإيرانية، هو حادثة الطائرة الإيرانية "مهران" التي تحدت السعودية والشرعية واخترقت المجال الجوي اليمني. لقد جاءت تلك الطائرة عبر الأجواء العُمانية، وكان بمقدور مسقط ببساطة منعها من عبور أراضيها، انطلاقاً من مبدأ احترام سيادة جارة عربية شقيقة، ومنع تمدد الفوضى. لكن السياسة العُمانية أثبتت في أكثر من محطة أنها تفضل مسايرة طهران على حساب الالتزام العروبي والخليجي، حتى باتت سياساتها في المنطقة تخدم — بقصد أو بدون قصد — المشروع الإيراني التوسعي.
التماهي السعودي مع الأجندات المشبوهة
والأكثر غرابة في هذا المشهد، هو حالة الاستسلام أو "الغي" السياسي الذي تبديه الدبلوماسية السعودية في الآونة الأخيرة. إذ تبدو السياسات والتحركات السعودية وكأنها تخدم — بطريقة غير مباشرة — أجندات إيران وتثبت أقدام وكلائها في المنطقة، من خلال الركض خلف سراب سلام تصنعه مسقط على مقاس الحوثيين، متجاهلين أن التنازلات المستمرة لن تقود إلا إلى مزيد من الغطرسة المليشياوية.
خلاصة القول: لن يكون هناك سلام حقيقي في اليمن طالما ظلت منافذ التهريب مفتوحة، وطالما استمرت عُمان في لعب دور "الوسيط" بـ "يد"، وتقديم التسهيلات لإيران ووكلائها بـ "اليد الأخرى". إن على الرياض والشرعية اليمنية إعادة تقييم هذه الأدوار بدقة، فالأمن القومي لا يبنى على النوايا، بل على قطع دابر المؤامرات التي تستهدف تمزيق المنطقة العربية.
