اخبار حضرموت اخبار المحافظات اخبار عربية ودولية رياضة تقارير ومقالات

أي مستقبل ينتظر أبناءنا إذا أصبح التعليم الحكومي متعطلًا والخاص مكلفًا؟

راصد برس 24
0

راصد برس 24 | مقال رأي | كتب : أ. إيمان منصور


لم يعد الحديث عن التعليم في حضرموت مجرد نقاش حول جودة المناهج أو مستوى المدارس والمعلمين، بل أصبح السؤال أكبر وأكثر إلحاحًا: أي مستقبل ينتظر أبناءنا إذا أصبح التعليم الحكومي متعطلًا، والتعليم الخاص مكلفًا إلى درجة تفوق قدرة كثير من الأسر؟

لنتحدث بالأرقام بعيدًا عن المبالغة.

تصل تكلفة تعليم طالب واحد فقط من مرحلة الروضة وحتى إكمال المرحلة الثانوية في إحدى المدارس الخاصة إلى نحو 5,700,000 ريال يمني، أي خمسة ملايين وسبعمائة ألف ريال.

وهذا الرقم، رغم ضخامته، لا يشمل الملابس المدرسية، ولا الكتب والدفاتر والأدوات الدراسية، ولا المصروف اليومي للطالب، ولا بقية الاحتياجات والمصاريف المرتبطة بالدراسة.

أي أن الأسرة لا تدفع 5.7 مليون ريال وتنتهي المشكلة، وإنما تبدأ بعدها قائمة أخرى من المصاريف التي ترافق الطالب عامًا بعد عام.

ولنا أن نتخيل حجم العبء على الأسرة التي لديها طفلان أو ثلاثة أو أربعة أبناء. عندها تتحول رسوم التعليم من مجرد مصروف سنوي إلى التزام مالي ضخم يستنزف دخل الأسرة لسنوات طويلة.

لكن السؤال الأكثر إيلامًا هو: هل يستطيع المواطن ببساطة أن يتجه إلى التعليم الحكومي لتجنب هذه التكاليف؟

للأسف، الواقع يقول إن الأمر ليس بهذه البساطة.

فالتعليم الحكومي يعاني بدوره من حالة من عدم الاستقرار، نتيجة الإضرابات المتكررة للمعلمين، والتي ترتبط بمطالب تتعلق بالحوافز والعلاوات وانتظام صرف الرواتب والمستحقات.

والمعلم الذي لا يحصل على حقوقه بصورة منتظمة يجد نفسه أمام ظروف معيشية صعبة، وقد تتحول هذه الظروف في النهاية إلى إضرابات وتعطيل للعملية التعليمية.

وفي المقابل، يجد ولي الأمر نفسه أمام خيار صعب:

إما مدرسة حكومية قد تتعرض للتوقف والإضراب، أو مدرسة خاصة تستنزف قدرته المالية.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

المواطن لا ينبغي أن يكون الطرف الذي يدفع ثمن أزمة التعليم من جيبه ومستقبل أبنائه في الوقت نفسه.

ليس من العدل أن يجد الأب نفسه مضطرًا إلى الاقتراض أو الاستدانة أو التضحية باحتياجات أسرته الأساسية حتى يتمكن من توفير تعليم مستقر لأبنائه، فقط لأن البديل الحكومي يعاني من التعثر وعدم انتظام العملية التعليمية.

وفي الجانب الآخر، لا يمكن تحميل المعلم وحده مسؤولية الإضرابات، فالمعلم أيضًا إنسان لديه أسرة والتزامات وحقوق مالية. عندما لا يحصل على راتبه بصورة منتظمة، أو لا تصرف له مستحقاته وحوافزه، فمن الطبيعي أن تتراكم لديه الضغوط والمطالب.

لذلك، فإن معالجة أزمة التعليم لا تكون بإلقاء اللوم على المعلم، ولا بدفع المواطن نحو المدارس الخاصة، وإنما تبدأ من تحمل السلطة مسؤوليتها تجاه التعليم والمعلمين والطلاب وأولياء الأمور.

نحن بحاجة إلى تعليم حكومي مستقر، ومعلم يحصل على راتبه ومستحقاته بانتظام، وحوافز وعلاوات تحفظ له كرامته، ومدارس قادرة على أداء دورها دون توقف متكرر.

وفي الوقت نفسه، نحتاج إلى رقابة حقيقية على الرسوم الدراسية في المدارس الخاصة، حتى لا يتحول التعليم إلى عبء لا يستطيع تحمله إلا القادرون ماليًا.

فالتعليم ليس رفاهية، وليس سلعة كمالية يمكن للأسرة الاستغناء عنها. إنه حق أساسي ومستقبل جيل كامل، وأي خلل فيه لا ينعكس على الطالب وحده، بل ينعكس على المجتمع ومستقبله.

إن وصول تكلفة تعليم طالب واحد من الروضة حتى الثانوية إلى 5.7 مليون ريال، دون احتساب الملابس والأدوات والمصروف اليومي، بالتزامن مع معاناة التعليم الحكومي من الإضرابات وعدم الاستقرار، يجب أن يدفع الجميع إلى التوقف والتساؤل:

هل أصبح حق أبنائنا في التعليم مرتبطًا بقدرة أسرهم على دفع الملايين؟

وإذا كان التعليم الحكومي يتعطل، والخاص يستنزف دخل الأسرة، فأي مستقبل نعد به أبناءنا؟ ومن يتحمل مسؤولية ضياع سنوات من تعليمهم؟

هذه ليست قضية رسوم مدرسية فقط، وليست قضية معلمين وإضرابات فقط؛ إنها قضية مجتمع ومستقبل جيل كامل.

والحل الحقيقي يبدأ عندما يصبح التعليم أولوية فعلية، لا مجرد شعار، وعندما يدرك أصحاب القرار أن الاستثمار في المعلم والمدرسة والطالب هو استثمار في مستقبل حضرموت بأكملها.

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.
إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !