اخبار حضرموت اخبار المحافظات اخبار عربية ودولية رياضة تقارير ومقالات

حضرموت: لا يكفي أن نكون على الطاولة.. يجب أن نكون أصحاب قرار

راصد برس 24
0

راصد برس 24|مقال رأي| كتب: نسيم الديني 


منذ يناير، تغيّر الكثير في حضرموت

تغيّرت موازين القوة، تبدلت الترتيبات الأمنية، وانسحبت قوات ودخلت أخرى، وانتقلت المحافظة إلى مرحلة جديدة. لكنني أعتقد أن الخطأ الأكبر هو أن نتعامل مع ما حدث باعتباره نهاية معركة.

ما انتهى هو فصل من الصراع.

أما المعركة الحقيقية، فقد بدأت الآن.

لأن السؤال لم يعد فقط: من يسيطر على حضرموت؟

السؤال الأخطر هو: من يقرر مصير حضرموت؟

وهنا يجب أن نكون أكثر وضوحًا.

كثيرًا ما نسمع اليوم عن «تمكين الحضارم»، وعن إشراك المكونات الحضرمية، وعن فتح قنوات الحوار مع السلطة المحلية والقبائل والمكونات السياسية والاجتماعية.

كل ذلك جيد.

لكنني لا أعتقد أن مجرد الجلوس مع الحضارم يعني تمكينهم.

ولا يعني التمكين أن يُعيَّن عدد من الحضارم في مناصب.

ولا أن تُلتقط الصور في الاجتماعات.

ولا أن يُقال إن هناك «شراكة حضرمية».

التمكين الحقيقي له أسئلة بسيطة ومباشرة:

من يملك القرار؟

من يملك الأمن؟

من يدير موارد حضرموت؟

من يحدد أولوياتها؟

من يفاوض باسمها؟

ومن يملك حق المشاركة في تحديد مستقبلها؟

إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة لا تزال خارج حضرموت، فعلينا أن نكون صريحين مع أنفسنا: نحن نتحدث عن مشاركة حضرمية في السلطة، لا عن تمكين حضرمي.

وهذا فرق كبير.

حضرموت لا تحتاج إلى أن تكون مجرد محافظة هادئة داخل ترتيبات سياسية وأمنية تُرسم في مكان آخر.

ولا تحتاج إلى أن تتحول إلى ورقة في صراع المشاريع اليمنية أو الإقليمية.

حضرموت تحتاج إلى أن تصبح طرفًا حقيقيًا في معادلة القرار.

وهذا لا يعني أن عليها أن تحسم اليوم شكل الدولة القادمة، ولا أن تدخل في معركة شعارات جديدة.

هناك أسئلة أكثر إلحاحًا الآن:

كيف تُدار حضرموت؟

كيف يُحمى أمنها؟

كيف تُدار مواردها؟

كيف تُبنى مؤسساتها؟

كيف تُوزع عائداتها بعدالة؟

كيف يشارك أبناؤها في القرار؟

وكيف يكون لهم صوت حقيقي في أي تسوية سياسية قادمة؟

هذه ليست مطالب ترفية.

هذه هي أساس الاستقرار نفسه.

لأنك لا تستطيع أن تطلب من مجتمع أن يثق بسلطة لا يشعر أنه شريك فيها.

ولا تستطيع أن تفرض الاستقرار طويلًا بمجرد نشر القوات.

الأمن مهم، بل هو ضرورة.

لكن الأمن الذي لا يرافقه تمثيل سياسي عادل، وتنمية، وخدمات، ومؤسسات، وشعور بالملكية السياسية للمكان، قد ينتج هدوءًا مؤقتًا، لكنه لا يبني استقرارًا مستدامًا.

وهنا تحديدًا يجب أن نتوقف عند فكرة «المكونات الحضرمية».

حضرموت ليست مجموعة مكونات تُستدعى إلى الاجتماعات كلما احتاجت السلطة إلى غطاء اجتماعي.

حضرموت مجتمع كامل له مصالحه وتنوعه وتناقضاته، وله حق في أن ينتج صيغة سياسية تعبّر عنه.

والأهم أن الحضارم أنفسهم مطالبون اليوم بالخروج من حالة التنافس على المقاعد إلى التنافس على المشروع.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتنافس الحضارم على من يكون ممثلًا لدى السلطة، بدل أن يتفقوا على ما الذي يريدون أن يمثلوه أصلًا.

نحتاج إلى الانتقال من سؤال:

«من يمثل حضرموت؟»

إلى سؤال أكثر أهمية:

«ماذا يريد ممثل حضرموت أن يحقق لحضرموت؟»

الفرق بين السؤالين هو الفرق بين الأشخاص والمشروع.

وبينما يجري الحديث عن الأمن والاستقرار والخدمات، يجب ألا ننسى أن حضرموت ليست مجرد مساحة جغرافية تحتاج إلى إدارة.

إنها محافظة ذات ثقل جغرافي واقتصادي واجتماعي وسياسي، وموقعها يجعلها جزءًا من حسابات أكبر من حدودها المحلية.

ولهذا فإن كل الأطراف ستسعى إلى التأثير فيها.

السعودية لها مصالحها الأمنية والاستراتيجية.

القوى اليمنية لها حساباتها.

المكونات الجنوبية لها مشاريعها.

القوى الإقليمية لها حساباتها.

والحوثيون يمثلون تهديدًا مستمرًا.

وفي وسط كل ذلك، يبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه الحضارم على أنفسهم:

أين نحن من كل هذه الحسابات؟

ليس المطلوب أن نعادي أحدًا.

ولا أن نرفض التعاون مع أحد.

ولا أن ندخل في مواجهة جديدة.

بل المطلوب أن نعرف ماذا نريد نحن.

لأن من لا يملك مشروعه، يصبح جزءًا من مشروع غيره.

ومن لا يحدد مصالحه، سيحدد الآخرون مصالحه نيابة عنه.

ومن لا يملك أدوات التفاوض، سيجد نفسه في نهاية المطاف يوقّع على نتائج لم يشارك في صياغتها.

لهذا فإن المرحلة القادمة يجب ألا تكون مرحلة انتظار لما سيقرره الآخرون بشأن حضرموت.

بل مرحلة بناء القدرة الحضرمية على اتخاذ القرار.

وهذه القدرة لا تُبنى بالشعارات.

تُبنى بالمؤسسات.

بالمجالس المحلية الفاعلة.

بالخبراء.

برجال الأعمال.

بالأكاديميين.

بالشخصيات الاجتماعية.

بالقوى السياسية.

وبالأهم: بإيجاد أرضية مشتركة يتفق عليها الحضارم، رغم اختلافاتهم.

قد يختلف الحضارم حول مستقبل الجنوب.

وقد يختلفون حول شكل الدولة اليمنية.

وقد يختلفون حول العلاقة مع هذا الطرف أو ذاك.

وهذا طبيعي.

لكن يمكنهم أن يتفقوا على شيء أبسط وأكثر إلحاحًا:

أن تكون حضرموت صاحبة قرار في شؤونها، وأن يكون أبناؤها شركاء حقيقيين في تحديد مستقبلها.

وهنا تحديدًا يجب أن ننتبه إلى معنى «الاستقرار».

الاستقرار ليس أن يسكت الشارع.

الاستقرار أن يثق الشارع.

ليس أن تختفي الاحتجاجات.

بل أن يشعر المواطن أن لديه قناة سياسية يستطيع من خلالها التعبير عن مصالحه.

ليس أن تتوقف المواجهات.

بل أن تتراجع أسبابها.

وليس أن تسيطر القوات على الأرض.

بل أن يشعر صاحب الأرض أن الدولة موجودة من أجله، وأن مؤسساتها تحميه وتخدمه وتحترم حقه في المشاركة.

أما الخدمات، فهي الاختبار اليومي لكل ذلك.

المواطن الحضرمي لن يحاكم المشاريع السياسية بخطاباتها.

سيحاكمها بالكهرباء.

بالماء.

بالراتب.

بالوقود.

بالغاز.

بالطرق.

بالصحة.

وبالأمن.

لكن حتى هذه الخدمات، على أهميتها، لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن السياسة.

فالخدمة الجيدة لا تعني بالضرورة تمكينًا سياسيًا.

والطريق المعبّد لا يجيب عن سؤال: من يقرر؟

والكهرباء لا تجيب عن سؤال: من يمثل حضرموت؟

والأمن لا يجيب عن سؤال: من يملك القرار؟

نحتاج إلى الاثنين معًا:

دولة تقدم الخدمات، وحضارم يشاركون فعليًا في إدارة شؤونهم وتحديد مستقبلهم.

وهنا أعتقد أن السعودية تستطيع أن تلعب دورًا مهمًا في دعم الاستقرار والتنمية في حضرموت، لكن النجاح الحقيقي لهذا الدور لن يُقاس بعدد المشاريع ولا بحجم الدعم وحده.

سيُقاس بمدى قدرة هذا الدعم على بناء مؤسسات حضرمية مستقرة، وتعزيز الإدارة المحلية، وتحسين حياة الناس، وخلق بيئة تسمح للحضارم بأن يكونوا شركاء حقيقيين، لا مجرد متلقين للقرارات.

لأن أفضل ما يمكن أن تقدمه أي دولة لحضرموت ليس أن تحكمها بدلًا عن أهلها.

بل أن تساعد على خلق الظروف التي يستطيع فيها أهلها أن يحكموا شؤونهم بكفاءة ومسؤولية.

وفي النهاية، لا أرى أن السؤال الذي يجب أن يشغل حضرموت اليوم هو:

من انتصر؟

ولا:

من خسر؟

ولا حتى:

من دخل ومن خرج؟

هذه أسئلة مرحلة مضت.

السؤال الذي سيحدد مستقبل حضرموت هو:

ماذا بعد؟

هل سنبقى مجرد ساحة تتنافس عليها المشاريع؟

أم سنصبح أصحاب مشروع؟

هل سنكتفي بأن يكون لنا مقعد في غرف الآخرين؟

أم سنبني لأنفسنا طاولة نفاوض عليها؟

هل سننتظر أن يقرر الآخرون ما هو الأفضل لحضرموت؟

أم نمتلك الشجاعة لنحدد نحن ما الذي نريده؟

حضرموت لا تحتاج فقط إلى من يحميها.

ولا إلى من يحكمها.

حضرموت تحتاج إلى أن تكون شريكًا حقيقيًا في القرار الذي يحدد مستقبلها.

وهذا هو معنى التمكين الحقيقي.


أما أن يجلس الحضارم على الطاولة، بينما يبقى القرار في مكان آخر، فذلك ليس تمكينًا.

ذلك مجرد حضور.


إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.
إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !